دبوس... ولكن

 


مدّونة لـ عصام فهمي

كنتُ في طريقي إلى العمل، تحرّكتُ من سكني في أحد أحياء مدينة نصر. 

أتقاسم سكنًا مع اثنين آخرين لا أعرفهما، وأتفادى معرفتهما. 

لا أقتضي من القاهرة سوى راتبٍ لا يسمح لي بالترف.

كعادتي كل يوم، استقللتُ أتوبيس النقل العام، 

لا يتسع ذهني لأي فكرة جديدة، وبالكاد أعرف طريق العمل. 


تخرجتُ في كلية هندسة الإسكندرية

وانتهى بي الحال مهندسًا مدنيًا في إحدى شركات المقاولات بالقاهرة الجديدة.


وقفتُ أراقب المشهد من مكاني القريب من الباب.

تجربة النقل العام مختلفة تمامًا عن الإسكندرية

والوجوه في العاصمة متعبة بما يكفي كي لا ترى شيئًا. 

كلّنا غرباء، حتى أهل القاهرة. 


صعدت الفتاة نفسها من المحطة الثالثة، 

في منتصف العشرينات، من طبقة متوسطة، تحمل كتابًا مختلفًا كل شهر. 

لا تلجأ فتيات القاهرة إلى النقل العام إلا حين يُفرض عليهن.


حاولتُ الاقتراب منها يومًا، حتى تغيّرت ملامحها تمامًا،

فتمنّيتُ الاختفاء. 

ابتعدتُ صامتًا ولم أقاوم نفسي عن المراقبة؛ 

أنتظرها كل يوم. 

لا تعرف أنها من أعطت القاهرة روحًا تفتقدها.


زاد الزحام في الأتوبيس، فمكثتُ في إحدى الزوايا.

أمسكت حقيبتها السوداء أمامها. 

بعد دقائق بدأ التوتر يظهر: 

حركة غير مريحة، التفافة جسد، ضجيج منخفض، محاولة للابتعاد.


أنا رأيت.

والرجل الذي بجواري رأى.

وأغلبنا رأى.


كدتُ أتدخل، لكنها لم تصرخ. همست بصوت منخفض:


لو سمحت... ابتعد قليلًا.


ضحك أحدهم وابتعد قليلًا مبتسمًا بانتصار. 

انتهى الموقف كأن شيئًا لم يحدث، لكنني شعرتُ بالخزي لأنني لم أبدِ أي ردّة فعل رغم إرادتي.


صمتُّ وكرهتُ كل الموجودين. لن أبتسم مرة أخرى، ولن ألقي السلام على أحد. السلام لمن يستحقه.


وصلتُ إلى العمل، ودخلتُ مكتب الإشراف الفني

وروحي ما زالت في الأتوبيس؛ تركتها هناك كما تركت الفتاة حقّ الصرخة. 

مرّ عمي رجب، فطلبتُ فنجان قهوة إضافيًا إن أمكن

وأشعلتُ سيجارة بدت لي صديقًا لا يملّ الانتظار.


صباح الخير...


ظهرت ريتا بابتسامة ساخرة. نظرتُ إليها بوجهٍ لا يعرف الخير:


صباح النور.


لا يبدو ذلك حتى بقريب...


أخذت علبة السجائر وأشعلت منها سيجارة:


ما بك؟


رويتُ لها ما حدث، فسمعتني بصدق. رفعت رأسها قليلًا وقالت بنبرة جادّة:


لا أخرج مرة من بيتي إلا وأفكر فيما أرتديه قبل أن تخطو قدماي شوارع القاهرة.

هذه عادة علينا التعامل معها.


ولماذا الصمت؟


نظرت إليّ:


أنت لا تعلم شيئًا... 

بعضنا قد يشعر بالصدمة أحيانًا

وتلك لحظات تمرّ كالبرق، لكنها تبقى محفورة في أذهاننا. 

إنها ليست حالة فردية ولا موقفًا عابرًا... بل نواجه قطيعًا من الخنازير كل يوم.


لم أكن متوقعًا ذلك الرد، حتى من تلك الفتاة العنيدة والمرفهة نسبيًا. 

جميع فتيات مصر يعرفن. 

ومع ذلك، ما زال النقاش يدور حول الأنثى نفسها. 

أدركت أننا لم نبلغ بعد شرف الغريزة.


في طريق العودة، دخلتُ زحام الأتوبيس. 

وقع نظري على كرسي فارغ في الصف الأخير، 

فجلست أفكر في أعباء لا تنتهي

وأخٍ كره الحياة ولعنها بالتخلي. 


استيقظتُ من شرودي عندما دخلت الحياة مع الفتاة في موعدها اليومي. 

ظهرت بضيق وتبلّد ولم تجد مكانًا شاغرًا، 

فاكتفت بالوقوف تتفادى كل المسافات الممكنة. 

لمحتُ رجلًا يقترب منها بحضور وقح لا تخطئه الحواس. 

تسارعت ضربات قلبي، وقفتُ مسرعًا، لافتًا كل الأنظار، واقتربتُ منها قائلًا:


تفضلي مكاني.


نظرت إليّ لأول مرة وبدون تعليق تحركت أمامي باطمأنان. 

جلست، وأخرجت كتابها وبدأت في القراءة. 

وهلةً بعد أخرى ترفع نظرها استحياءً بابتسامة هادئة. 

أخرجت هاتفي المحمول وبدأت أقرأ رسائل من مجموعة دردشة تخص المكتب، 

إلا أنني فزعت مثل الجميع عندما صرخت بصوت عالٍ.


نظرتُ إليها، ثوانٍ خضنا فيها حديثًا كاملًا. 

التفتت مرة أخرى إلى الرجل خلفها، وبلا تردد وجّهت له صفعة.

وقف مذهولًا كالجميع. تذكرتُ ريتا. 


بمجرد أن علمت الفتاة أن شخصًا قد يتدخل ولو بنسبة ضئيلة، 

انتفضت لها ولجميع الفتيات. 

تدخلت سريعًا ولم أنتظر هذه المرة رد فعل القطيع لتحديد مسار الأمور. 

كانت اللحظة كسرًا لحاجز نفسي من إنكار وتماطل. 

صرخت في الخنزير قبل أن يتقدم آخر.

أبطأ السائق السرعة، التفت إلى الركاب، وهرع الرجل خارج الأتوبيس.


عادت الفتاة إلى منزلها واتجهت إلى غرفتها.

جلست أمام المرآة وغاصت في دموعها كما اعتادت كل يوم. 

مسحت مستحضرات التجميل عن وجهها. 

لم يكن بكاؤها جديدًا، لكنه كان مختلفًا. 


ابتسمت – لأول مرة منذ زمن – ثم فتحت حقيبتها السوداء وأفرغت محتوياتها. 

أمسكت دبوسًا حادًا، أمعنت النظر فيه، واسترجعت كوابيس يومية انتهت بصمت. 

ثم ابتسمت مرة أخرى، وألقت الدبوس في سلة القمامة.


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة