في حضرة المهرج




مدّونة لـ عصام فهمي

وقفت أراقب صديقي المثالي في ساحة مركز الإبداع التابع لوزارة

الإتصالات داخل قصر السلطان حسين كامل أو كما ُيعرف بقصر

السلطانة ملك، المقابل لقصر البارون في حي مصر الجديدة.

أكثر من مئتي شخص من خريجي ومبرمجين في سوق العمل المصري.

القلق الاجتماعي يحيط بالمكان، إلا أنه ظهر واثقا من نفسه، يرتدي

ملابس أنيقة خالية من اي اشكال، الأسود يليق به؛ لا يعكس سوى

شخصيته وحّسه الصادق.

كان يتحرك بين الحضور في عرض تفاعلي عن العادات الأكثر فاعلية

في عقلية مهندس البرمجيات. شعرُت بفخر وامتنان للقدر الذي لم يخذله.

ومع اقتراب انتهاء الحدث، أشعلت سيجارتي الأخيرة وانتظرت في إحدى

الزوايا أعلى الساحة.

تذكرت لقاءنا الأول منذ ما يقارب عشرة أعوام...

في ظروف متشابهة تماًما، إلا أنه – ولسخرية القدر – كان حينها المتهم

والمجني عليه.

في سنوات الدراسة الأخيرة وبعد انتهاء معمل نظم التشغيل، خرجنا مًعا

من المبنى الإداري. صداقة تشّكلت بالصدفة وترسخت بفعل الترتيب

الأبجدي في كشوف الحضور.

كنا نسير نحو كافتيريا حاسبات حين لاحظنا حركة غير معتادة؛ الطلبة

يتدفقون في اتجاه واحد، انضممنا إلى الحشد لعلنا نصادف بليغا.

دخلنا قاعة المؤتمرات في هدوء. المقاعد شبه ممتلئة، والوجوه متوهجة

بالحماس. وقفنا في الخلف نشاهد رجلًا يتوسط المسرح، يلّوح بذراعيه

كما لو كان قائد أوركسترا.

مهرج محترف. أصلع في أواخر العقد الرابع، ممتلئ الجسد، يرتدي كل

ما هو مبالغ فيه. ذاع صيته بالكورسات الباهظة ومسابقات البرمجة،

ويمتلك شركة مبهمة. طرد فتاة كانت تصّور الفيديوهات لأنها – دون

قصد – أظهرت كرشه.

وقف كمن يملك المساحة والوقت والكلمة. كان ُيلقي فتاواه على الجميع

بثقة مصطنعة:

- لعلك تريد النجاح والتميز. الثراء السريع ليس بعيًدا عنك. لديك فرصة

ذهبية لخوض المسابقات وحلم الشركات الخمس: فيسبوك، آبل، أمازون،

نتفلكس، جوجل... وربما مايكروسوفت في أسوأ الأحوال.

تعالت التصفيقات.

كان عرًضا مسرحًيا أكثر منه حديًثا مهنًيا.

ثم قال:

- هل من سؤال؟

مال صديقي نحوي وهمس:

- لدّي تساؤل...

كان مميًزا، شديد التنافسية، لم تشغله الألقاب ولا التعيين الجامعي. بدأت

شكوكه تجاه «المقدسات» بعد عدة مقابلات عمل حقيقية، اكتشف خلالها أن

المسابقات – وإن كانت مفيدة – ليست هوية المبرمج كما ُصّورت لنا.

رفع يده بتردد. التفت المهرج إليه قائلا:

- تفضل.

- أعرف شركات لا تعتمد هذه الطريقة. ليست مشكلتي مع المسائل

نفسها، فأنا أحبها كتحٍد شخصي، لكن ما جدواها الحقيقية؟ هل هي

ضرورة أم مجرد وسيلة أسرع للشركات التي تستقبل أعداًدا كبيرة؟

ساد صمت ثقيل. ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة:

- ولماذا ترضى بالفتات؟

تصلبت مالمح صديقي:

- لا أبحث عن الفتات، بل عن الحقيقة.

لم يكن سؤالًا في نظر المهرج، بل خروجًا عن النص.

رفع صوته، مشيًرا إلى مجموعة من الشباب في الصفوف الأمامية:

- ولَم الجدال؟ الأيام خير دليل. سنرى ماذا ستحقق بعد التخرج، وأي

طريق ستسلك. هم اختاروا طريق النجاح.

في لحظة واحدة، صار صديقي محور القاعة:

الجاهل... المغرور... المشكك.

شَددُت على ذراعه هامًسا:

- لنذهب.

* * *

كانت الأضواء ُتطفأ، والمنظمون يستعدون للمغادرة بعد ليلة أسعدت

الجميع. لفظت السيجارة أنفاسها الأخيرة وتقّدمت نحوه.

- كانت ليلة رائعة.

ابتسم:

- سعدت بوجودك دائًما.

ما زلنا مًعا رغم اختلافنا، رغم المشاجرات، رغم القلق. حتى أيقن كٌّل منا

بحتمية الآخر.

تذكرت المهرج...

وعندها فهمت.

لم يكن ذلك الرجل يعّلم البرمجة،

بل يعّلم الطاعة.

ولا يصنع مبرمجين،

بل أتباًعا.


تعليقات

المشاركات الشائعة