للحب الحيّ بلا تكنولوجيا ميتة




 مدّونة لـ أحمد شوقي


كم أعشق الأساليب القديمة في كل مناحي الحياة

وخاصة في الحب والتعبير عنه

وكم أكره التكنولوجيا التي دمّرت كل روح في كل شيء، حتى في الحب.


يا لروعة خطابات العشاق ومقابلاتهم في الحدائق!

ما أروع تلك اللحظة حين ينتظر الحبيب حبيبته تحت بيتها،

ينتظر طَلّةً منها، فابتسامةً، فموعدًا، فلقاءً.


نظرات الحب المتبادلة بعد طول فراق،

حيث لا تكنولوجيا تُلاقيهما في لمح البصر دون شوق أو حتى حماس للقاء؛

نظرات حب طبيعية ملتهبة ترسل أشواقهما بين عيونهما خيطًا يربط روحيهما للأبد.


صحيح أنني أستخدم هذه التكنولوجيا الملعونة حاليًا وأنا أكتب لكم

ولكن ذلك لتطوير قدرتي لا لاستبدالها

ولذلك قررت أن أكتب لحبيبتي خطابًا كما كان العشاق قديمًا يفعلون.


حبيبتي، سكن روحي والحياة،


أكتب لكِ قبل أن نلتقي كأحباب

وإن كنت أوقن من كل قلبي أن يومًا ما سوف تقرئين رسالتي

وما سيتبعها من رسائل متبادلة بيننا ونهيم حبًا سويًا بذكرياتنا.


هل تدركين عني شيئًا قبل التقاء روحينا؟

كنت إنسانًا عقلًا فقط بلا قلب،

مع روح هائمة لا يدرك عقلي لها سبيلًا لتهدأ وتستقر.


كان ذلك العقل يؤمن بحب الروح للروح

ولكنه كان مغلق السبل أمام القلب؛

فلم يكن له سبيل إلى روحه ولا إلى طريقه الصحيح.


من فشل إلى فشل كان يغوص في غياهب الحياة حتى أُرهق واستُنزف

وعندما وصل إلى القاع وجد حبلًا من نور يسحبه إلى أعلى، حتى وقع أمام عينيكِ.


عيناكِ الجميلتان الهادئتان لهما من الحنان والحب ما سحب روحي إليهما،

فسقطت في أغوارهما، وبقيت روحي عندك حتى يومي هذا،

لا أدري عنها شيئًا إلا أنها قد ارتاحت في سكنها داخلك مع روحك أخيرًا.


لم يدرِ عقلي يومها ما يحدث، وما كان ليسمح أن يحدث،

فقد كان مشغولًا بمادياته وحياته وتطلعاته فيها.

ولكنه، في لحظة ارتباط روحه بروحك،

ارتجّ داخل جمجمتي وغاب عن الوعي،

فسمح ذلك لقلبي — ولأول مرة —

أن يدق دقةً حقيقية دون حساب ولا رقابة ولا وصاية.


هل يترك عقلي قلبي لذلك؟ أبدًا.

لكنها الهزّة التي جعلت القلب ينتعش

ويبدأ بالمطالبة بحقه في الحياة

وحقه في الحب، وحقه في قلب حبيبته.

وبدأ صراعًا مع عقلي استمر شهورًا.


وأكتب لكِ يا حبيبتي بعدما انتصر قلبي على عقلي أخيرًا

ووجدت أن قدرتي الحقيقية تكمن فيه هو،

دون عقلي الذي ما إن حيّدته

حتى شعرت بتلك الكهرباء تسري بيني وبينك دون انقطاع.


لقد عمل قلبي واتصل بروحي مع روحك

وأخيرًا وجدت لروحي سبيلًا عندما وجد قلبي لقلبك ذات السبيل.

أقسم بأيمان الإله جميعًا أنني أتحرك نحوك بلا وعي مني ولا إرادة،

لكنها إرادة الإله التي جمعت بين روحين

وربطت قلبي بقلبك؛ فلا أنام ولا أذكر غير عينيكِ الجميلتين،

غير صوتك العذب، غير روحك النقية، حتى كدت أنسى الدنيا وما فيها، إياكِ وقد يحدث.


قد يحدث وأنسى حياتي وأغرق إن لم تنقذيني بكلمة حب تشفي عذاب القلب

أو همسة من الروح إلى الروح تحييها من جديد وتعيد إليّ أنفاس الحياة.


أنتظر، وسوف أنتظر حتى تنتهي الحياة

ويفنى الكون، ويختفي الوجود،

ولن يبقى خالدًا بعدهم إلا عيناكِ، فأسقط فيهما من جديد إلى الأبد.


حبيبك المنتظر دائمًا وأبدًا.


لا أعلم ما وقع هذه الرسالة على من يقرؤها،

فلربما تحيي قلوبًا من جديد على الطبيعة الحقيقية للحب الحيّ بلا تكنولوجيا ميتة.


ولعلها تقع بين يدي من أخذت روحي معها، فتردّها إليّ وتردّني إليها.


تعليقات

المشاركات الشائعة