هل عشتَ يومًا كشخصين منفصلين في جسدٍ واحد؟




 مدّونة لـ أحمد ميقاتي.


هل عشتَ يومًا كشخصين منفصلين في جسدٍ واحد؟

لا أتحدث هنا معكم عن حالاتٍ نفسية كالفصام أو ازدواج وتعاقب الشخصيات إطلاقًا،

بل هما شخصان فعلًا في جسدٍ واحد؛ أحدهما أنا الذي أتعامل به مع الناس، 

ذلك العاقل الذكي الطموح إلى اعتلاء قمة جبل الحياة

وسلاحه فيها عقله، ولا بديل عن العقل سلاحًا.


والثاني هو أنا أيضًا ولكني محبوس في سجن ذلك الجسد؛ 

ذلك السجن البغيض الثقيل الذي يعيقني عن الانطلاق والحرية،

يحبسني داخل تلك الزنزانة التي تُسمّى جسدي

ولا متنفّس لي منه إلا تلك النافذة التي تُسمّى عيناي،

أنظر بها إلى العالم وأتوق للخروج إليه والطيران في سمائه

ولكني دومًا أفشل في ذلك وأعود مكتئبًا محطّمًا داخل محبسي. 

كان ذلك حتى عامٍ مضى.


عقلٌ ثم جسدٌ ثم قلبٌ فالنفس، تلك مكوّنات حياة كل إنسان

ولا تستقيم حياته إلا بالتوازن بينها. 

ذلك ما خبرته من حياة بدت لي طويلة، 

من استخدام العقل بإفراط وعزل القلب عن العالم

وبغضٍ للجسد وكراهيةٍ له وبالتالي انهارت نفسي عبر السنين

وعشت في أقوى اكتئابٍ يمرّ على إنسان.


هل تدرك كيف يكون الإنسان في اكتئابٍ نفسي

وهو يدرك بعقله النشط أنه في تلك الحالة ولا يستطيع الفكاك منها؟

يقولون لي: فكّر بقلبك قليلًا ولا أدري كيف يكون ذلك؛

إن قلبي معطّل لا يعمل ولا شيء يعلو فوق عمل العقل. 

ولكنه يحاول جاهدًا التخلّص من تسلّطات العقل عليه كلما حانت له فرصة، ولا جدوى من ذلك.


كم دام ذلك الصراع بين القلب والعقل فيمن يستحق أن يملك سلطة التحكم في حياتي؟ سنواتٌ عديدة لا أعرف عددها، حتى جاءت هي.


هي؟ 

هل تعرفون القصص الخيالية عن فتاة الأحلام وستّ الحسن التي تخطف القلوب من محابسها وتحييها بكلمة، بنظرة، بابتسامة؟ 

هل تعرفون تلك القصة الخيالية عن توأم الروح التي ما إن تظهر في حياة أحدهم، فتحيي قلبه، وتحرّر روحه، وتوجّه عقله نحو الصراط المستقيم؟


إنها هي، توأم الروح التي خطفت القلب دون موعد ولا حساب

وأغلقت العقل لأول مرة بعد طوال السنين وأشعلت شرارة القلب، 

فأخذ يعمل ويجري وينطلق وقد تحرّر من عقال عقله

ولا يحسب للدنيا حسابًا. ولأن العقل لا يستوعب كون أن له منافسًا قويًا، فقد أخذ يقاوم،

ويقــاوم،

ويقــاوم،

ويُحبط آمال القلب ويطفئ جذوته. 


بل لقد وصل به الأمر إلى الاستسلام لأول محطةٍ للخروج من طائرة القلب، فسمح لمطارديه بخطفه وإخراجه من الحياة الجديدة، وقد حدث وتم اختطافي.


ولكن القلب جرّب الحرية والحياة، وأنا جرّبت عشق الروح وبهجتها، 

وإن أقنعني العقل بعدم جدوى ذلك الحب وتلك الحياة،

إلا أن القدر كان له رأيٌ آخر، وقدّر لي أن أتحرّر من اختطافي وعدتُ للحياة.


عدتُ لها وقد أيقنت أن للقلب سلطةً وقوةً على إدارة الحياة بصورةٍ أحسن من العقل

وأفضل في نتائجها معه.

وسلّمت نفسي للقلب ليحكم، وجنّبت العقل ليعمل وقت الحاجة فقط، فوجدتني أحيا حياةً جديدة، حقيقية، حرّة، لا يحرّكها إلا حب القلب وعشق الروح.


صرت أحب جسدي ولا أمقته، صرت أعشق توأمي رغم استحالة الوصال كما يقول العقل

ولكن هل كان حكم العقل من قبل ناجحًا معي؟ لا. 

ولكن لا بأس بجعل الباب له مواربًا دون أن يسلب مني روح الحياة الجديدة.


فهل تستمر السعادة، ويصير عشق الروح حقيقة؟

لا أدري، ولكني سائرٌ مع قلبي، ومسلّمٌ له حالي، في هدوءٍ وسعادة، ولا أبالي.


تعليقات

المشاركات الشائعة