هامنت... عن الفقد واللوعة والألم
مدّونة لـ إنجي جمال الدين
يمشي المرء في هذا العالم الموحش، حاملًا غربة في روحه،
ككهف مظلم تتقاذفه قسوة البشر تارة وتهزمه الحياة تارة أخرى
ويظل الإنسان مهما كبر بداخله طفلًا صغيرًا يبحث عن الأمان ويحاول أن يظل شجاعًا.
من رحم الغابة الساحرة وُلِدَت فتاة برية جامحة، بنصف ابتسامة ساخرة،
تمشي بعيدًا عن البشر وصقرها يجلس هادئًا على ذراعها.
تقع في حب فتى، علمت أن هويتها لن تفضي سوى لمن يقترب بما يكفي ليقبل روحها.
تقول الأسطورة إن ابنة ساحرة الغابة تستطيع قراءة البشر بمجرد لمسة منهم؛ ترى الكثير عنهم.
تعرف أسماء الأشجار والأعشاب، وتستطيع، كأمها الساحرة،
أن تصنع التركيبات والجرعات الشافية وتلقي التعاويذ الحارسة الطيبة.
"Una, the oldest of herbs,
you have power against three and against thirty,
you have power against poison and against air disease,
you have power against the horror who stalks the land."
وظنت أن تلك التعويذة هي كل ما تحتاج لتظل في رعاية الغابة المقدسة.
عندما وقع ويل في حبها، جاء لابسًا سترة تبدو له، من ظهره وكأنها تلقت طعنات شتى في ظهره.
ثم يرى أباه يضربه مرات ومرات حتى يفيض الكيل ويتوعده إن ضربه مجددًا،
ويقضي ويل ما تبقى من عمره محبوسًا في ركن صغير في عقله،
كطفل صغير يتألم من ضرب أبيه.
تطارده كلماته القاسية: "أنت بلا فائدة"، ليظل يحارب شبح أبيه داخله ليثبت له فائدته.
يظل في حرب طاحنة داخله، تجعله يغيب عن حبيبته التي تقاتل الحياة والموت بدونه، ولم تسامحه لذلك أبدًا.
عندما تقابلا للمرة الأولى، يتلعثم ويل ولا يستطيع أن يتحدث بطلاقة أمام آجنيس،
فقالت له ببساطة: "إذن احكِ لي حكاية"... فحكى.
حكى لها عن أسطورة أورفيوس وأوريديس:
كان أورفيوس موسيقيًا موهوبًا إلى درجة أن الحجارة نفسها كانت تبكي لسماعه،
لكن حبيبته ماتت ولم يتقبل أبدًا فقدها، فهبط إلى العالم السفلي ليعيدها إلى الحياة.
هناك عقد صفقة، ووافق حكام عالم الموت أن يعيدوها إليه بشرط واحد:
أن يسير أمامها، وتسير هي خلفه، وألا يلتفت إليها حتى يبلغا عالم الأحياء.
ومشى أورفيوس ولم يكن يسمع خطى حبيبته خلفه، فساوره الشك
وظل القلق يموج في صدره.
وفي اللحظة الأخيرة، عند حافة النجاة تقريبًا، التفت، فاختفت حبيبته إلى الأبد، وفقدها مرة أخرى.
هذه قصة ليست فقط عن الفقد، بل عن تكرار الفقد؛
عن كل النهايات التي تعرف يقينًا أنها قادمة لا محالة
وبرغم ذلك تحارب قدومها بكل ما أوتيت من قوة،
تحارب بيقين وشغف، لتخسر بكل أسف وشرف.
"ما أعطي يومًا قد يُؤخذ فجأة..."
هذه طبيعة الحياة القاسية التي نعرفها جيدًا، ولكننا نتعمد تجاهلها، نحاول تحديها.
"I put my heart out there but no one would take it..."
ظنت آجنيس أنها قد تقايض حياتها بحياة ابنها ليعيش،
لم تكن تعرف أن هامنت قد سبقها وقايض حياته بحياة أخته.
كانت تظن أنها ربما لو انتبهت بما يكفي لچوديث، فإنها لن تخسر
وكانت چوديث دائمًا هي الحلقة الأضعف.
وعلى الرغم من أن رؤيتها تنبأت:
"فقط طفلين سيكونان هناك عند موتها"،
إلا أن الأمل ظل موجودًا، ذات الأمل الذي أصاب أورفيوس، ولكنه التفت.
وأما آجنيس التي كانت تحيط بچوديث طوال الوقت ولم تلتفت إلى هامنت
وبرغم كل المحاولات، فقدت، كوعد متحقق للحياة لا مفر منه.
يأتي ويل من سفر طويل ملتاعًا: "هل تأخرت؟"،
وهو يبحث بطبيعة الحال عن چوديث، الذي أتاه خبر مرضها.
ولفرحته وجدها بخير، وللوعته وجد الثمن الغالي؛ إبنه يرقد جثة هامدة.
ويظل هامنت روحًا عالقة مع نار لوعة أمه ويأس أبيه الذي يمزقه الندم لأنه تأخر عن الحضور،
ويظل حبيس عقله الذي كاد أن يجن من فرط الحزن.
يشعر أنه موجود في مكان ما، ولكنه لا يعرف أين
ويستمر في الرحيل مجددًا ومجدّدًا، تاركًا حبيبته في ألمها ووحدتها وخيبتها فيه.
يتسبب موت هامنت في شرخ عميق بين آجنيس وويل.
ويل الذي كان يتلعثم لأنه لا يستطيع الكلام، ولكنه يستطيع أن يحكي القصص، فكتب عن الفقد واللوعة والألم.
وعندما علمت آجنيس بأمر مسرحيته بعد مرور سنوات، ذهبت للمرة الأولى لتشاهدها
وقفت مشدوهة تطل إلى الممثل الذي اختاره ويل ليقوم بدور البطولة،
لتجده صورة طبق الأصل من فقيد قلبها.
تحتضنه بعينيها، وتمد يديها إليه لتلمسه، لترى منه وعنه
ويمد الناس أيديهم مثلها، وكأنهم يتلمسون الحزن المقدس لعله يحررهم.
وتكتشف آجنيس أن ويل قد أعاد إحياء هامنت في دورة لا متناهية في كل عرض،
لينطق وجعه من خلال مسرحيته، ليفصح عن كل ما عجز عن قوله منذ أن فقد ابنه،
وكأنه من خلال ذلك الفعل قد أقام طقوسًا مقدسة لا يفهمها سواه لتحرير الذنب والألم.
وعندما رأها بقلبه، وهي تهمس إليه:
"Look at me... Look at me"
بالضبط مثل يوم زفافهم،
يستعيد قلبها ونصف ابتسامتها الساخرة عندما شاركها مشاعره
وسمح لها أن تحرر كل مشاعر اللوعة والفقد
وتطلق سراح الطفل الهائم العالق في حزنها،
الذي أشارت إليه ووضعت يدها على قلبها لتخبره بمكان مثواه الأخير.
"The rest is silence..."
.jpg)


تعليقات
إرسال تعليق