ضائعة بلا خريطة
مدونة لـ أمل صفوت
في مثل هذه الفترة من العام الماضي، لم أكن أتخيل كيف وافق أبي على قراري بالسفر والعيش بعيدًا عن المنزل. ربما لن يفهم كثيرون صعوبة هذا القرار داخل مجتمع محافظ له مبادئ لا يُتنازل عنها بسهولة، لكن أبي كان مؤمنًا بي، بحلمي، وبكل ما بذلته من جهد، فتنازل عن أمرٍ كان يرفض حتى مناقشته.
أتذكر يوم رحيلي جيدًا؛ كانت أمي ترافقني إلى السكن، وطوال الطريق كانت تتساءل بقلق: كيف اتخذنا قرارًا كهذا؟
وحين وصلت واطمأنت على المكان، احتضنتني بقوة. كان ذلك الحضن مزيجًا من الحب والخوف، وحين غادرت شعرت وكأن قلبي يُنتزع مني، وكأنني أقول لها بصمت: أحقًا ستتركينني هنا؟
مدينة كاملة، واسعة وغريبة، لا أعرف فيها أحدًا تقريبًا سوى زميلين أو ثلاثة من العمل.
بطبيعتي كنت شخصية هادئة، أخشى التعامل مع الآخرين بسهولة، ولا أمنح ثقتي سريعًا. كثيرًا ما تساءلت: هل هذا ضعف في شخصيتي أم مجرد حذر؟ لم أجد ترجمة واضحة لذلك الشعور.
حتى بعد مرور عام، ما زلت تلك الفتاة التي تتوتر أحيانًا، تخاف أن تجرح أحدًا بكلمة، وتُفضّل أن تتحمل الأذى على أن تسببه لغيرها.
في الأيام الأولى بعد مغادرة أمي، كان الخوف رفيقي، لكن مع الوقت بدأ التأقلم يتسلل إلى حياتي، وبدأت شخصيتي تتشكل من جديد. كنت مدللة في بيت أبي، لا أعرف الكثير عن المسؤولية، فإذا بالحياة تدفعني لأتعلم كل شيء دفعة واحدة: كيف أعتمد على نفسي، كيف أُدبّر شؤوني، وكيف أعود من يوم عمل شاق لأُعدّ طعامًا يدفئ قلبي قبل جسدي.
لكن الحياة لم تكن سهلة، ولم يكن كل يوم يسير بسلاسة؛ فكل حياة تحمل مزيجًا من لحظات الفرح والحزن، وهكذا كان حال غربتي.
وكوني شخصًا يحب الخصوصية والمساحة الخاصة، كنت أبحث عن عالمي الداخلي وسط السكن، لكنني لم أجد ما أحتاجه.
كل يوم كان تحديًا صغيرًا: كيف أعيش وسط الآخرين وأحافظ على هدوئي؟ أحيانًا أشعر بالاختناق، وأتساءل في صمت: هل سأتأقلم يومًا؟ وحتى الآن، لم أصل إلى الإجابة، ولم أتمكن من التأقلم بالكامل، لكنني أتعلم شيئًا فشيئًا كيف أتعامل مع هذا الشعور، وأجد مساحات صغيرة لي وسط الفوضى.
كنت معطاءة إلى حدٍ كبير، أمنح من حولي وقتي واهتمامي ومشاعري دون حساب، لكن مع الوقت بدأت أرى جانبًا آخر للحياة؛ أدركت أن الإفراط في العطاء قد يُساء فهمه أحيانًا، وأن البراءة وحدها لا تكفي.
ورغم ذلك، قلت لنفسي: لا بأس، أنا أتعلم، ومن حقي أن أخطئ.
سنة كشفت لي الكثير عن ذاتي؛ كنت قادرة على مواجهة التعب وحدي في منتصف الليل، وعلى تدبير أموري في لحظات الضعف، وعلى إخفاء تعبي عن أهلي كي لا أقلقهم، متظاهرة بأن كل شيء على ما يرام، رغم أن ذلك كان ضغطًا كبيرًا عليّ.
أتذكر مواقف الوحدة التي واجهتها؛ كانت جديدة عليّ. أذكر مرة عندما شعرت بضيق من موقف ما، ظللت أسير في شارع واسع لا أعرف إلى أين أتجه. شعرت بأن المدينة كلها كبيرة جدًا، وأنني صغيرة جدًا، ضائعة بلا خريطة.
كل شيء حولي كان صاخبًا، وأنا صامتة، أحاول فقط أن أتحرك دون أن أستسلم للخوف.
ومن اللحظات التي لم أتوقعها، أنني جلست في حديقة لمدة ثلاث ساعات أكتب كل ما يمر في رأسي. شط الهواء، الأشجار، حتى أصوات الأطفال وهم يلعبون كانت تواسي وحدتي. كنت تائهة، والوحدة ثقيلة حينها، لكنها أصبحت أيضًا مساحة للتأمل، لأعرف نفسي أكثر.
في كثير من المواقف، كان صمتي يمنح الآخرين مساحة للتمادي. لم أكن أجيد الدفاع عن نفسي، وكنت ألوم نفسي بدلًا من أن أواجه من يخطئ بحقي.
حتى الأمس القريب، حدثت مواقف أعادت إليّ هذا الشعور، وجعلتني أتهم نفسي من جديد بأنني ما زلت شخصية ضعيفة لا تجيد الدفاع عن نفسها ولا اتخاذ المواقف، لكنني أدركت أن الاستمرار هكذا ليس عدلًا في حقي.
تعلمت من كل هذه المحطات أن السنة الأولى في أي تجربة ليست سهلة؛ سواء كانت غربة أو عملًا أو بداية حياة جديدة. إنها سنة لفهم الذات، واكتشاف الواقع، ومحاولة التأقلم مع كل ما هو مختلف. وتعلمت أن الاعتدال ضرورة، حتى في العطاء؛ فليس الجميع يفهم القلوب التي تمنح بلا حدود.
وأدركت أيضًا أن الوضوح راحة؛ أن أقول عندما يزعجني شيء، وألا أختبئ خلف الصمت.
نعم، استنزفتني هذه السنة كثيرًا، لكنها كانت جميلة بطريقتها الخاصة. ففي زحام التجربة، وجدت الأمان في بعض زملائي الذين كانوا وما زالوا إلى جواري، يدعمونني، وينقلون إليّ خبراتهم، ويدفعونني لأتطور.
ولم يكن التغيير داخليًا فقط؛ فقد حققت الكثير وتقدمت خطوات عديدة في عملي. أتذكر إحداها حين حصلت على أول راتب لي؛ كانت لحظة مختلفة عن أي شعور آخر. مبلغ كان رمزيًا، لكنه كان رمزًا للجهد والصبر الذي بذلته طوال الفترة السابقة، ولأول مرة شعرت أن هناك شيئًا ثابتًا أصبح لي بعد انتظار طويل.
ما جعل اللحظة أجمل أنني استطعت إسعاد من حولي بطريقة بسيطة؛ اشتريت شوكولاتة لأصدقائي وزملائي الذين وقفوا بجانبي. شعرت وكأن فرحتهم تطبطب على قلبي، وكأن جهدي لم يضع؛ فأنا دائمًا حين أرى ابتسامة صغيرة أهديتها للآخرين أشعر بسعادة حقيقية.
سنة أولى غربة كانت رحلة نحو نسخة أخرى مني… نسخة أقوى، أكثر وعيًا، لكن لا أعلم بعد إلى أين سيأخذني هذا الطريق، ولا إن كنت قد وجدت الراحة والأمان أم لا.
ولكن عندما أعود لأقرأ هذه السطور يومًا ما، سأشعر بفخر لأنني تجاوزت كل هذه التجارب، وعرفت نفسي بطريقة لم أكن أعرفها قبل هذه السنة.



تعليقات
إرسال تعليق