الميقاتي والونوتية السبعة… في فسحة روح

 


مدّونة لـ أحمد ميقاتي


هل كان قَدَرُ الأرواح أن تعيش حُرّة؟

أهو تدبيرٌ إلهي لتلك الجماعة، هم وحدهم دون غيرهم من العائلة ونوت، ليرسموا معًا لوحة من حديقة أزهارٍ غنّاء، من زهور ونوت، في أرضٍ غير أرضهم، ومكانٍ غير مكانهم؟


لا أدري…

ولكنها رحلة واحة الروح، تغيّرنا فيها، وبعدها نفوسٌ تاقت إلى التغيير والانطلاق. أزهارٌ تفتّحت، اشتاقت إلى الانبثاق من جذوعها نحو سماء النور. سبعة أزهار تفتّحت من ونوت في الإسكندرية على غير ميعاد.


ها هي وردة حمراء، خمريّة هي صوفي، حطّت رحال روحها على طريقٍ أحيَت عليه كلّ حياة.

وتلك عباد شمس، نيّرة هي سحر، تسحر العقول وتَسلب الألباب، إلى رحلة الروح تبغي منها حياة.

وهذه زنبقة بيضاء، حنونة هي حنان، كموج النيل الهادئ، تأخذ روحك في سِكّة راحةٍ وحياة.

وتلك وردة ورديّة، نديّة هي دينا، تمرح فتضحك معها كل نفس، تأخذك من حياة إلى حياة.

وهذا فرع صبّار، صلبٌ رقيق هو رحيم، يعبر بك بمركب روحانيته من موتٍ إلى حياة.

وذاك فرع ريحان، روحٌ حرّة هو أحمد، نحمد الله على قيادة روحه سفينة الرحلة لتعبر بنا نحو الحياة.

وهذا فرع فلّ، فِطريّ هو ميقاتي، يترك فعله يتجلّى بين أحبابه، فيُخبرونه بما خبروا منه من حياة.


تجمّعت أزهار ونوت في سفينتين، أبحرتا من بيت العائلة الونوتية على صفحة نهر الطريق، في هدوءٍ وصفاء، وفرحةٍ اشتاقوا إليها، تجلّت في ضحكٍ وكلام نورٍ أنار صفحة نهر الطريق، حتى رست سفنهم لراحةٍ على طريق الحياة.


على صدى أرواح الأولياء وسيدهم أبي الحسن الشاذلي، أبدع رحيم في الوصف والحكي، مع أكواب القهوة ورائحتها الغنية المثيرة. أبدع رحيم، وانقضى معه الوقت، حتى انتبهنا أننا لا بدّ لنا من إكمال الطريق، وقد كنّا نودّ ألّا ينتهي الحكي، على وعدٍ بتكملةٍ مع ظهيرةٍ في مسجد تلميذ الشاذلي، أبي العباس.


تحرّك الركب نحو عروس البحر، ولم نشعر بأنفسنا ولا بالطريق ولا حتى بالزمن، إلا ونحن داخل الإسكندرية، متوجّهين نحو بحرها المهيب. وقد عزمنا على تناول الإفطار في مطعم «ديليس» العريق، وهناك رست سفينتانا، وتلاقينا، وتلاقت أرواحنا مرة أخرى.


في «ديليس» انتقل بنا الزمان إلى غير زماننا؛ على أنغام الكمان، وأمام شاطئ الرمل وبحر الإسكندرية الجميل، ومع جوٍّ دافئ وديكورٍ تراثيٍّ ثري، جلسنا جميعًا نحن صحبة الأزهار. طلب كلٌّ منّا إفطاره وحلوَاه ومشروبه. كان المكان مزدحمًا، لكننا لم نشعر بسوء الزحام، فكلٌّ منّا كان على راحة روحه.


ديليس منذ عام 1922، وما زالت روح ثلاثينيات القرن الماضي حاضرة في المكان، ويبدو أنّها طبعت روحها علينا جميعًا: على كلامنا، على نقاشنا، على وجودنا كله. كأننا انتقلنا بالزمن فعلًا إلى الماضي الجميل.


قيلت أحاديث كثيرة، وكأننا نتعرّف على بعضنا، ونتعرّف على أنفسنا، ونتعرّف على الحياة من جديد.

وبعد أن انتهت جلستنا، خرجنا محاولين جاهدين العودة إلى الزمن الحالي، ولم نكن نريد ذلك، لكننا عدنا واستكملنا رحلتنا نحو مسجد سيدي أبي العباس المرسي.


طوينا الزمن طيًّا أثناء سيرنا من محطة الرمل حتى مسجد المرسي، فلم نشعر به من حلاوة الصحبة، وروح المكان، ورائحة البحر التي أخذتنا إلى عالمٍ آخر. نسينا الزمان ونسيناه، وذهبنا إلى المرسي…

أو نادانا هو.


نعم، لقد نادانا المرسي وجميع الأولياء. كان اتفاقنا أن نصلي العصر في مسجد المرسي ونرحل سريعًا لاستكمال التمشية، لكننا بدلًا من ذلك دخلنا مسجد الإمام البوصيري، فصلّينا العصر، ودخلنا المقام للدعاء. وبدون ترتيب، تحوّل الدعاء إلى حضرة داخل المقام، قادها الميقاتي دعاءً وتسبيحًا، والشيخ رحيم ابتهالًا وتوشيحًا من نهج البردة، حتى ترك لنا المقام وحدنا رجالًا ونساءً.


هل انتهى الأمر عند ذلك؟

لا.


بدأت النفحات حين دخلنا مسجد المرسي، وكان الضريح في التجديد، فنزلنا للدعاء في مقام سيدي ياقوت وسيدي مكين. وفجأة، ودون طلبٍ أو إكرامية، جاءنا حارس المقام بالمفاتيح، ودخلنا المقامين من الداخل. دعونا وابتهلنا حتى خرجنا عن الدنيا، وعندما أفقنا لم يدخل أحد بعدنا.


وحين هممنا بالخروج، وجدنا أنفسنا فجأة أمام مقام سيدي المرسي، وكان مفتوحًا رغم التجديد. لا ندري كيف وصلنا، ولا كيف فُتح، لكنه نداء الروح للروح. إذا نادى الولي، وجب على المريد أن يجيب.


دخلنا للدعاء، وأيقنّا أن الرحلة كانت مقدّرة من الله لهؤلاء السبعة لزيارة السادة الأولياء.


خرجنا، فوجدنا أنفسنا أمام ضريح المحمديين الأربعة عشر؛ أربعة عشر ضريحًا محمديًّا في مقام واحد. كانت علامات القبول لا تُحصى. لم تكن الرحلة تسلية، بل كانت حقًّا فسحة روح.


خرجنا من أنوار المقامات وقد شبعت أرواحنا، فجاعت بطوننا. ومع رائحة البحر والطقس الدافئ، وكالعادة، لم يحدث شيء مما خططنا له. لم نأكل سمكًا ولا جمبري، بل أكلنا أمام البحر كبدة وكفتة وكلاوي وبانيه، ثم شربنا الشاي بلا جدوى، فقمنا للتمشية تحت ضوء القمر، فوجدنا أنفسنا أمام «چيالاتي عزة».


نسكت ونمشي؟

أبدًا.


دخلنا، وأخذ كلٌّ منا چيالاتي بالحجم الكبير وبكل الأنواع، وليسامحنا الله، وتسـامحنا هبة هندي على ما اقترفناه بحق بطوننا. نثق في طيبة قلبها، وأنها ستلغي هذا اليوم من ذاكرتها إن قرأت هذا الكتاب.


عدنا مشيًا إلى محطة الرمل، ثم ركبنا السيارات في طريق الرجوع بلا وعي ولا عقل. توقفنا عند واحة عمر للراحة، ثم عدنا إلى بيتنا ونوت – بيت السعد – وقد زرع كلٌّ منا بذرة حب من زهور ونوت في الإسكندرية، لعلّها تكون نورًا ودليلًا لكل ونوتي يأتي إليها.


الميقاتي والونوتية السبعة… في فسحة روح.


السبت 01 فبراير 2026 ميلادية

الموافق 08 أتوم 11719 كمتية


تعليقات

المشاركات الشائعة