إلى أنس: «أهل الذكر» لا يموتون ولا يعرفهم النسيان
مدّونة لـ أحمد مصطفى
ما بين الأذان والإقامة فجرًا أنزوي بروحي في أحد أركان المسجد، منعزلًا بكياني عن الحياة الدنيا، مُحدثًا إلهي عن مسودات أفكاري العقلية؛ فيخاطبني يوميًا من أثير الراديو عبر آيات يتلوها المقرئ وكأنها وُجِّهت إليَّ خصيصًا.
أستنشق في تلك اللحظات نسيم الهواء الخالي من البشر وبين الفينة والأخرى تخطو أقدام المصلين الثمانية.
اعتدتُ أن أفرق بينهم من دقيقة الوصول، الأنفاس، الخطوات، وربما العطر، دون أن يرمش لي جفن. لكن في هذه الفجرية، شممتُ رائحة زائر من خارج الحي وما إن قادني الفضول لرؤيته حتى اقترب وهمس في أذني: «أهل الذكر لا يموتون؛ لأن تسبيحهم باقٍ».
ألجمتني الكلمات و توجست خيفة، وحينما فتحت عينيّ لم أجد أحدًا وظل الصوت العربي ذو اللكنة الأعجمية عالقًا في ذهني، حتى أن الآيات توارت على لساني وأنا أؤم الثمانية في هذه الفجرية ووجدتني أقرأ دون تحضير: «إني لأجد ريح يوسف».. آه يوسف!
تمهلتُ في الآيات واستوقفني اشتياق يعقوب، فبلل الدمع وجنتيّ. سكن الكون في دورانه وفاح عطر الورد حولي وأدركت في اللحظة أن ضيفي يوسفيَّ الغياب، هبط للتو ليستريح في زيارة عاجلة من السماء بفؤادي المقدس.
أنس.. أهلاً بك! كيف حالك يا صديقي؟ ولماذا.. لماذا الفراق؟ لماذا قصدك عزرائيل واختلسك من بيننا في غفوة الحياة؟أخبرني، هل قابلت الرب واحتسيت من التسنيم؟ لا تنهني بعينيك لأكف عن الحديث؛ فالأحياء في حضرة الموتى تملكهم الثرثرة وكأنهم لم ينطقوا من قبل.
حالي... ربما تصفه أبيات شاعرك الصوفي «ابن عربي» حينما قال: «تضيقُ بنا الدنيا إذا غبتمُ عنا .. وتذهبُ بالأشواقِ أرواحُنا منا.. فبُعدكمُ موتٌ وقربكمُ حيا .. فإن غبتموا عنا ولو نَفَساً مُتنا».
هل ما زلت تذكر هذا القطب الصوفي الهائم؟ فقد عرفت أشعاره على يديك حينما كنت تدعوني لمجالس الذكر والعلم بمنزلكم في القاهرة، بعد أن توسط Kenan Hoca لصديقك «قدير» لمساعدتي في أبحاث الأدب التركي، كونكما من أهل الأناضول. ومنذ ذلك الحين اصطحبتني نحو الطريق، ولقنتني وصية ابن الفارض: «هو الحب فاسلم بالحشا، ما الهوى سهلُ .. فما اختاره مضنى به وله عقلُ وعِش خاليًا، فالحب راحتُه عنا .. وأولُه سقمٌ وآخرُه قتلُ نصحتُك علماً بالهوى والذي أرى .. مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو فإن شئت أن تحيا سعيداً فمُت به.. شهيدًا وإلا فالغرام له أهلُ».
لم يكن في مخيلتي آنذاك أنك ستكون رسول الرب الذي سيشير لي إلى طريق «التصوف»، الذي يقود سالكيه لمقام الأبرار، ويعلم مريديه أن مقام العبودية أسمى من المحبة.
كنت أتودد لصداقتك بغرض دنيوي، لكنني وجدتك تحيا في كون تتغذى روافده على السلام ومبدأه هو الزهد الذي قال فيه مولانا جلال الدين الرومي: «تعلق الفاني بالفاني يفنيه، وتعلق الفاني بالباقي يبقيه».
ذلك التعلق كنت ألمسه في كل زيارة؛ حيث كنت تجلس بعد كل صلاة منعزلًا لتدخل في حالة اتصال بالسماء وانفصال عن الأرض، وكأن قلبك لم يغفل عن الذكر قط.
أنت الذي كنت تؤدب النفس الأمارة بالسوء، بإطعامها حبات التمر لأسابيع عقاباً لها على ذنب قد اقترفت. وحينما قادني فضولي لسؤالك، أجبتني مستنداً لقول ابن الجوزي: «لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل، ولقد جلست يومًا فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رق قلبه أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكت؟فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي.. إن قضيت علي بالعذاب غدًا، فلا تُعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي، لئلا يقولوا: عذب من دل عليه».
أنت من أخذت بيدي لمسجد ابن عطاء الله السكندري بمنطقة الأباجية وهناك أردت أن تعطيني درسًا دون أن تتحدث، فقط اكتفيت بأن تشير بسبابة يدك اليمنى لأعلى أحد جدران المسجد حيث كُتب: «المحب من يبذل لك، ليس من تبذل له».
أحببتُ الطريق، وكيف لا أحب وهو إليه وأنت الوسيلة! أنت الذي غيّرت في عقلي شكل الحياة، وأفهمتني نظرة الصوفية للموت، حيث تستبدلون هذه الكلمة بـ «الانتقال» وتلك هي ميتافيزيقا الفقد التي تبشر عشيرتها بأن «أهل الذكر لا يموتون ولا يعرفهم النسيان».
وأن الإنسان في أحد أيام عمره -غير معروفة الزمان أو المكان- يزوره أحد الملائكة خلسة ليخبره أن الرحلة القصيرة انتهت وأنه الآن يجب عليه الإقلاع لرحلة أخرى «طويلة الأمد»؛ وهنا يكمن «الانتقال» ويتبدد «الموت».
لم أدرك وقتئذ مغزى الفرق بين المعنيين، كعدم إدراكي بأننا لن نكمل الطريق معًا؛ حيث انتهت الأبحاث وتخرجت في الجامعة، ثم التحقت بالخدمة العسكرية وقضيت المدة، وبعدها توجهت صوب عزلتي بجنوب سيناء بعد أن أصابني داء العصر «الاكتئاب».
وفي كل هذا، نسيتُ أين أنت.. لكن الغفلة أتت لتذكرني وأنا مستلقٍ على سريري في ليلة هادئة، حيث كنت أتصفح «فيسبوك» ووجدت عدة منشورات لأصدقاء مشتركين يرثونك بكلمات ليست كالكلمات.
أكملت التصفح، لم أتوقف، لم أتمعن حتى في الخبر؛ شاهدت مقاطع فيديو طريفة وطالعت الأغنيات على تطبيقات الاستماع وغصت في النوم واستيقظت ومارست الحياة كأن الخبر لم يكن.
ولكن، لما عدت للقاهرة، وبين الفينة والأخرى حينما أختلي بنفسي في غرفتي، يثير الاشتياق إليك بكائي. لا أفهم يا أنس لماذا يبكي الإنسان على المسافرين في الرحلات؟ أوليس هناك رحلات أخرى تُقل اللاحقين بالسابقين؟ فلماذا إذاً الرثاء؟ فتلك ممارسة تُستخدم لنعي الموتى.. وأنت لم تمت.
انتهت الصلاة، ومعها رحل زائر قلبي لمقامه في السماء. وبعد أن خرجت من المسجد، وجدت شقيق والدتي ينتظرني لنترجل معًا نحو المنزل كعادتنا، ودون مقدمات أخبرني: «يا أخي الجماعة المتصوفة فكرهم مختلف.. قرأت مقولة لأحدهم يقول إن الإنسان لما يموت المفروض تقيم له ليلة وتحتفل به، لأنه ذهب عند الرحمن الرحيم وترك دنيا الشقاء. لذلك لا تهب الموت إن جاءك، استقبله بصدر رحب، عامله كضيف لن يزورك سوى مرة واحدة، أكرمه ولا تتذمر ولا تخشَ صحبته في الرحلة.. أعد حقيبتك وسافر معه».



تعليقات
إرسال تعليق