في محراب مي عبد العزيز: جلسة عن الونس وأحمال السفر وفلسفة التسليم
حوار/ أحمد مصطفى
في عالمٍ يضجُّ بالصخب، تطلُّ علينا مي عبد العزيز لا كفنانةٍ فحسب، بل كخيميائيةٍ تحاول تحويل الألم إلى نغم، والشتات إلى «رحلة» بحثٍ عن الذات.
هي تلك الروح التي تؤمن أن الموسيقى ليست مجرد ترددات صوتية، بل هي طريقٌ للعودة إلى الفطرة والجمال المختبئ داخل كل إنسان.
بين أغنياتها التي تفوح بنفحاتٍ صوفية هادئة، وكتاباتها التي تنبش في عوالم النفس المنسية، تأخذنا مي في حوارٍ استثنائي يتجاوز حدود «المطربة» ليغوص في أعماق «الإنسانة».
تحدثنا عن أثر الذكر وتردداته على هرمونات السعادة، وعن القلم والورقة كعالمٍ صامتٍ حين يخون الصوتُ صاحبَه، وعن القاهرة التي تصف لحنها بـ «الونس» رغم ضجيجها.
في هذا الحوار، نفتح معها صفحات من وعيها؛ من ألبوم «قواعد العشق للسائرين» وصولاً إلى فلسفتها في حب النفس كبوابةٍ لحب العالم، لنكتشف كيف صهرت السفر والقراءة والتسليم الرباني في بوتقة فنية تجعلنا نتساءل معها: هل الحب غاية، أم هو وقودٌ لرحلةٍ لا تنتهي؟
بعد كل تجاربك في الحياة.. كيف تعرفين نفسك؟
إنسانة، مطربة، مؤمنة بوجود النور داخل كل روح وبقوة الموسيقى والفن إنها ترجعنا لنفسنا وأصلنا وفطرتنا والجمال داخل كل إنسان، مؤمنة بالأمل والحياة وتعبيرنا عن مشاعرنا، مهما كانت أي هي.
كثيراً ما نلمح في أغانيكِ نفسًا صوفيًا هادئًا.. كيف شكلت قراءتك في التصوف رؤيتك للفن؟
في أحد الرمضانات، عملت ألبوم صوفي اسمه «قواعد العشق للسائرين»، مكون من بعض الأشعار الصوفية.
أنا لا أصنف نفسي صوفية، لكن كائن بيحب ربنا جدًا، يؤمن إننا أرواح قبل ما نكون أجساد تفنى.
هل ترين الغناء نوعًا من «الذكر» الحديث؟
آه ولأ.. مهم نفتكر إحنا مين من الذكر وتردداته والغناء بيساعدنا نخرج هرمونات السعادة اللي جوانا. الغناء لما بيكون كلامه روحاني، بيكون له تأثيره ممتد.
لذلك كلمات الأغاني لو سيئة أو عدوانية بتأثر على هرمونات الإنسان ومخه على مدار طويل.
في لحظات الصفاء التي تسبق كتابة أغنية جديدة، هل تشعرين أن الكلمات تأتي إليكِ كـ «جذبة» أو إلهام روحاني لا يد لكِ فيه؟
كلماتي متأثرة 99 % من تجارب شخصية وحياتية، سواء أكانت لي أم لمن حولي، بتأثر جدًا بتجارب البشر وأحاسيسهم، وبحكيهم لتجاربهم وإزاي أثر فيهم وإزاي بيقرروا يعيدوا بناء نفسهم تاني بعد الدمار، لأن الحياة دايمًا بتختبرنا، فكرة ملهمة بالنسبة لي.
بعيداً عن «الرحلة»، ما هي الكتب الثلاثة التي شكلت وعي مي عبد العزيز وتعودين إليها كلما شعرتِ بضجيج في داخلك؟
101 Essays That Will Change The Way You Think by Brianna Wiest.
.Healing is the new high vex king
40 للشقيري.
متى شعرتِ أن القلم والورقة أصدق في التعبير عنكِ من الجيتار والميكروفون؟
المرات اللي كنت مش قادرة اغني وصوتي مش طالع ومتأثر بسبب ما، بحس أن الكتابة بتكون فارقة جدًا، لأن الصوت أصدق حاجة فينا وأكتر وأول حاجة بتتأثر.
فالورقة والقلم بيكونوا عالم تاني صامت، لكنه معبر بطريقة مالهاش وصف.
هل توافقين على مقولة أن «القراءة هي سفر لمن لا يملك ثمن التذكرة»؟
طبعًا، القراءة بتفتح آفاق مش طبيعية ومهمة جدًا، حتى لو تقرأ صفحة، مش لازم الورق، بس نقرأ ونفتح آفاقنا ونستكشف قدراتنا على التخيل ونعرف معلومة جديدة ، نعرف حاجة تخلينا نفكر لنفسنا أو للي حوالينا.
وكيف ساعدتك الكتب في استكشاف عوالم نفسية لم تزوريها بعد؟
أنا من محبي عدم تخليص الكتاب مرة واحدة، أحب احط كتابين أو تلاتة وأفضل أقرأ من كل عالم، لأن الكاتب بيدخلك العالم ده.
في كتابك «الرحلة»، أخذتنينا إلى الداخل.. لكن في الواقع، ما هو المكان الذي سافرتِ إليه وشعرتِ أنه غير شيئًا في تركيبتك النفسية؟
أؤمن بقوة السفر في أي مكان، بيعمل امتداد لفكرنا اللي هو ممكن يكون محدود، القعدة في مكان آخر، استخدام حركتنا وعنينا، تجربة أكل ومعرفة ناس جديدة، لذلك ربنا عملنا مختلفين، عشان نكتشف بعض وأبعاد جديدة جوانا. ولذلك لي تجربة في البلاد الأفريقية، حسستني قد أي كلنا واحد، بشعر أن أغنية «إنسان» مؤثرة جدًا، لأنها تحكي نفس المخاوف والأحلام.
السفر يعلمنا التخلي عن الأحمال الزائدة.. ما هي «الأحمال النفسية» التي قررت مي عبد العزيز تركها في محطات سفرها القديمة؟
فكرة التسليم، قد أي الكون ماشي بقوانين ربانية، لأننا أوقات بنعوز نسيطر، السفر بيعلمك التسليم.
هل لكل مدينة تزورينها «لحن» خاص تسمعينه في مخيلتك؟
أنا شخص قهراوي مصري جدًا، بحبها حب مش طبيعي، بكل التفاصيل، مفيش زي مصر، دايمًا معلقة ميدالية معايا فيها علم مصر.
ما هو لحن القاهرة في أذنيكِ الآن؟
الونس، الروح والألفة، الدوشة، الهدوء، كل حاجة وعكسها، إحساس أنك في بيتك.
في فلسفتك، هل الحب هو «الغاية» أم أنه مجرد «وقود» يساعدنا على إكمال رحلة البحث عن أنفسنا؟
قررت أجمع أسئلة كتابي «رحلة» وأحطها في كروت تُباع في المكتبات، وكان من بين الكروت سؤال عن الحب، هل إحنا بنتحب عشان نتفهم ولا ممكن أحب حد من غير ما أفهمه، ده اللي بيجاوب، الغاية الوقود، الحب أعمق من كده بكتير، إنك تتحب يعني تتفهم.
دائماً ما تنادين بحب النفس والرفق بها.. كيف توازنين بين هذا المفهوم وبين «الفناء في المحبوب» الذي يتحدث عنه الصوفيون؟
رقم 1 بالنسبة، الاعتناء بالنفس وحبها والرحمة بها، لأن من خلاله هعرف أحب وأشوف العالم بشكل مختلف تمامًا. فكرة الفناء في المحبوب ضد فلسفتي.
في زمن العلاقات السريعة والرقمية، كيف تحافظ مي عبد العزيز على نظرتها الرومانسية العميقة للحب؟
أنا شخص رومانسي جدًا بعلاقتي في نفسي، بحب جدًا، أحضر فطاري بطريقة جميلة وأقعد في مكان حلو قبل أي حاجة في الدنيا، بيديني نوع من أنواع الهدوء والونس بنفسي وربنا، بستحضر التفاصيل دي، بالتالي ممكن ده يصب في حبي للي حواليا.




تعليقات
إرسال تعليق