أتبحث عن روحك؟ أخرج إذن من سجنك





قصة قصيرة لـ عصام فهمي


ظننت أنني أعرفه جيدًا... 

حكاية جديدة مع صديقي المثالي.


يمكنك أن تميز ذكائه الاجتماعي من الانطباع الأول، حتى أنني ظننته طبيباً نفسياً في المرة الأولى التى التقيته فيها. طيب الحِس، خفيف الظل، جميل الحديث.


وكلما اقتربت منه أكثر، أدركت أنه قاسٍ على نفسه، كما هو مثالي في تكوينه وعلاقاته واحتكاكه بالجميع.


دخل أحد الأماكن لاستبدال جهاز اشتراه منذ أسبوع، وبعد فحصه تبين وجود عيب تصنيع. 

بخطوات ثابتة تكبح غضبًا مشتعلًا ذهب إلى المحل، وبمجرد أن فتح الحديث، أهان مدير الفرع وكل من تدخل بعنف لم يكن بتلك الضرورة — حتى لو كان مستحقاً.


فزع الجميع، وتحول وجوده المفاجئ إلى كابوس. خرج بعدها قاصدًا إحدى المكتبات و التقيت به صدفة.

بدا كأنه شخص آخر غير المعتاد. سرد الموقف، وأفرغ ما يضيق به صدره. قلت له:


هل شعرت أنك أحمق؟ قال:


شعرت أنني مختلف... وغير راضٍ.


وهل كنت سترضى لو لم تُبدِ ردة فعل قوية؟


لم أكن لأسمح لنفسي بتجاوز تخلفهم مهما كلفني الأمر.


كان بداخله تناقض كثيف وزخم يشبهنا جميعًا، لكن مثاليتَه أقسى من أن تتجاهل،

تفرض نفسها كلما شعر بالاستخفاف.


وما قسا مرة، إلا تبعها ندمٌ وفقد. 

كنحلة أخذت بثأرها... فقتلت نفسها.

ما أنهك روحه وذهنه كان سؤال الاتساق مع نفسه: 

كيف يجتمع العنف والطيبة في قلب واحد؟


أردت أن أخفف عنه فرط التفكير، لكنه لم يتوقف عن مراجعة أفعاله. 

كان يخشى أن تكون قيَمه مجرد مثالية مصقولة تخدم نجاحه الاجتماعي والمهني.


قال: «لا أريد أن تكون لي غايات خفية وراء مبادئي. 

ربما كان الحب واللطف مجرد أدوات لأهدافي الشخصية... 

حتى في الصداقة والعمل. 

ظننت أنني تخلصت من غضب رافقني سنوات،

لكنني أدركت اليوم أنه ما زال حرًا. 

كنت أتجاهل وجوده قدر المستطاع... لا أكثر».


تمشينا بين الرفوف حتى وقعت عيناي على كتيب صغير

لجلال الدين الرومي بعنوان «في العشق الإلهي»، 

كلمات مختارة تكشف جوهر التصوف في الحب والذات. 

شعرت أنها إشارة... وبوصلة. قلت له:


هل قرأت قواعد العشق الأربعون؟ قال مبتسمًا:

لا أبالي بالرومانسية كثيرًا.


ليست كما تظن. ناولته الكتيب:

اقرأ وتأمل كما تشاء مثاليتك. 


فتح صفحة عشوائية، وقرأ: «أتبحث عن روحك؟

أخرج إذن من سجنك. 

غادر الجدول وامضِ مع النهر الذي يصب في المحيط. 

استغراقك في هذا العالم جعله عبئاً عليك. 

ارتفع فوقه... فهناك رؤية أخرى».


تعليقات

المشاركات الشائعة