الانهيار ترفٌ لا أملكه



مدّونة لـ نجيا محمود / غزة

بعد الحرب، لا تبدأ الحياة من جديد؛ هي فقط تُستأنف بجسدٍ نجا، فيما تتأخر الروح قليلًا، كمن خرجت من مكانها ولم تُخبر بعدُ أن الخطر انتهى.


النجاة لا تأتي مصحوبة بالدهشة؛ أستيقظ لأنني ما زلت حيةً، لا أكثر. وأقضي يومي أتعلم كيف أتنفس دون أن أعدَّ الأصوات، وكيف أمشي دون أن تمسح عيناي المكان بحثًا عن ملجأ، وكيف أُقنع نفسي أن هذا الصمت ليس مقدمةً لشيء آخر.


كنت أعيش حياةً عادية؛ أعمل وأجتهد وأؤمن أن الاستمرار كافٍ ليمنح الأشياء معناها. لم أكن أطلب أكثر من إيقاع ثابت، ولا أقل من حقي في المحاولة. هذا الماضي لا يبدو بعيدًا زمنيًا، لكنه بعيدٌ نفسيًا؛ كأنه يخص فتاةً أعرفها جيدًا، ولم أعد أستطيع الوصول إليها بسهولة.


الخيمة صارت يومي؛ ليست مسكنًا مؤقتًا فقط، بل اختبارًا طويلًا لقدرة الجسد والروح معًا. إشعال النار فيها ليس تفصيلًا منزليًا، بل ضرورةٌ للبقاء.


نارٌ للدفء، لتجفيف الرطوبة، ولمقاومة أمراضٍ تعرف طريقها إلينا سريعًا، وتتركنا ببطء. النوم هش، الهواء ثقيل، والبرد يتسلل إلى العظام بلا استئذان. خصوصيتي شبه معدومة، والتعب مستمر، والجسد مطالبٌ بالتماسك حتى في أضعف حالاته.


خلال الإبادة، لم يكن الخوف وحده عبئًا، بل محاولة الحفاظ على إنسانيتك وسط الفوضى. وبعد الحرب، لم تختفِ الصعوبات، بل تغيرت أشكالها: قلقٌ دائم، ومسؤولياتٌ متراكمة، وحاجةٌ مستمرة لإثبات القدرة على الاحتمال، كأن التعب وحده لا يكفي.


أفعل الأشياء نفسها التي كنت أفعلها قبل الحرب: قهوة، نافذة، انتظار. لكن القهوة تُحضر على نار مفتوحة، والنافذة قطعة قماش، والانتظار بلا موعد.


الأفعال بقيت، أما الإحساس بها فتغير. حتى التفاصيل البسيطة تحتاج جهدًا إضافيًا، وكأن الحياة تُعاش الآن بعضلات مشدودة باستمرار.





الخوف لم يعد يحتاج سببًا واضحًا. التفاصيل الصغيرة تثير توترًا غير متناسب معها. وسؤال بسيط مثل: «كيفك؟» صار عبئًا؛ لأن الإجابة أطول من قدرتي على الشرح، وأثقل من طاقة أي حديث عابر.


وتتكرر أسئلتي في داخلي: كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز الفقد؟ أن يفرح ساعةً، يغني دقائقَ، دون أن يشعر بالذنب لأنه قادر على ذلك بعد مَن أحب؟ كيف لا يخجل من أن يظل حيًا بعدهم، بينما هم رحلوا؟


بعد الحرب، لا نطلب السعادة؛ نطلب يومًا عاديًا لا يهددنا، ساعةً تمر بلا فاجعة، ونومًا لا يوقظنا على خسارة جديدة.


أكبر الأفكار صارت بسيطة: أن أستيقظ دون إشعال نار، أن أغلق بابًا حقيقيًا، ألا أراقب المطر ولا اتجاه الريح ولا أماكن تسرب الماء.


وأكبر مخاوفي ليس المرض ولا البرد، بل أن يطول هذا "المؤقت"؛ أن أبقى عالقة في الخيمة، لا كمرحلة، بل كحياة كاملة.


أن يعتاد الجسد القماش وتنسى الروح معنى الجدران، ويُعاد تعريف الحياة على أنها نجاة فقط.


هذه ليست حياةً جديدة؛ هذه يوميات نجاة مستمرة، أكتبها بهدوء، وأعيشها بحذر؛ لأن الانهيار، حتى الآن، ترفٌ لا أملكه.


تعليقات

المشاركات الشائعة