دار جان

 


مدّونة لـ أحمد مصطفى


أولُ ضوءٍ للشمس يضيء السماواتِ والأرض، ويتأهّب الكونُ في لحظاتِ سكونه الأولى بكلِّ حواسّه الجامدة للاستئناس بالمجهول.


تستوحش الأشياءُ الصمت، كما تبغض الوقتَ الراكد والماءَ الميت، وتتساءل بفضول، دون أن تُبدي ما يؤرّقها: متى تأتي الموجة؟


لا يهمّ أن تُحدِث تسونامي، أو تتمرّد على حدودها، أو تجرف الأماكن من السكن إلى العدم. فكلّ ما يعنيني أن تبدأ الشمس رحلتها من المشرق إلى المغرب، وأن يختلف اليوم بين الليل والنهار، لأحبو وأتحرّك، وأستأنس بالمجهول.


سئمتُ الانتظار. وقفتُ في مطلع الخواء أتأمّل لا حدودَ للبصر. باغتتني الهواجسُ بأن أبقى ساكنًا، لا أطوف بين البشر، ولا أنتمي لهم.


رسمتُ في هوامش سمائي الحياة، ومشيتُ وحدي لأبنيها. وكلّما اقتربتُ من عمرانها جاءت العاصفة، وصفعتني بالسيل الغاشم. كدتُ أن أكفر بالكون، وأوشكت أفكاري على الاستسلام والجريان في مسلك السيل.


أمسكتُ بقطعة حجر، وعزمتُ أن ألقيها في وجه اللاشيء، حتى يهدأ الغضب أو يبلغ مداه وينفجر، وتتحوّل الأحلام إلى شظايا متناثرة، وينتهي «أنا»، وينقطع ذِكري قبل أن أفنى، ولا تمسّ حياتي شيئًا من اسمي «خالد».


لحظةٌ ضبابية، تشبه الاحتضار المعتم، شوّشت في عينيّ الحياتين: الدنيا والآخرة. وقبل أن أغرب ويختفي الضوء إلى الأبد، ويتوقّف النفس عن الروح إلى السرمد، عانقني الوجود، وصرتُ أرتجف كجبل موسى في لحظة تجلّي الإله.


دخلتُ في نوبة إغماء ونوم، ظننتُ بعد الاستيقاظ أنها تخطّت حاجز سنوات أصحاب الكهف. لأنني لمّا فتحتُ عينيّ حينئذ، رأيتُ صحرائي الجرداء تنبت بالزرع، والسماء في غاية زينتها، والهواء نسيمًا.


تجوّلتُ بعينيّ شرقًا وغربًا، وفي كلّ الاتجاهات، لاستكشاف المكان واستيعابه. لم يكن هناك أحدٌ سوى آدميةٍ تجلس على بُعد أمتار، تُحيك بأناملها أشياء لا أدركها، وتنسدل من وجنتيها ابتساماتُ القدّيسات.


اقتربتُ منها بفضول، وسألتُ على مهلٍ وتلعثم: من أنتِ؟ وأين أكون؟

حرّكت أناملها من الأشياء إليّ، وشعرتُ في الأثناء بأن السكينة تعمّ روحي، وأنني، ولأول وهلة، أؤمن بمعنى الحياة حينما تتشكّل في الأُنس.


لا تزال تحرّكني من المجهول إليها، وتطرد ما بداخلي من موت، وتستبدله ببستانٍ من النباتات. تهدم ما في أفكاري من سجون، وتحلّق بي إلى اللانهاية. وهناك تخبرني أن ما استيقظتُ عليه كان دارها، وأنها «الدنيا».




تعليقات

المشاركات الشائعة