صفر: لا سالب ولا موجب

  

 

 

في التاسعة والنصف صباحًا 18 يونيو، صيف 2025. في تلك الساعة وبينما كان إخوتي يُغسلون أبي، كنتُ أتسكع حول المستشفى بحثًا عن مخبز لتناول بعض المعجنات، مع عصير البرتقال والمياه المعدنية، في محاولة للهو وتضييع الوقت حتى ينتهوا. عدتُ ووقفتُ خارج المغسلة، وبعد عدة دقائق خرج أخي الأكبر ليبلغني أنهم انتهوا من الغُسل والتكفين، ويتبقى فقط وجه أبي مكشوفًا إذا كنتُ أود الدخول لإلقاء نظرة أخيرة.


شرحتُ له موقفي باقتضاب، دون إبداء أي تعابير؛ باختصار، رفضتُ تلك النظرة. فانتهوا وأخرجوا الجثمان داخل النعش.


كنتُ قبل موتهِ أُحضر نفسي لهذه اللحظة، لكنني لم أكن أعلم أنني سأصل لهذه الدرجة من التبلد؛ إنه لمن لا يعلم «الاكتئاب».


والاكتئاب هو عدم الحضور في اللحظة، تبلد المشاعر، التيه؛ لا أحاسيس فرح، حزن، أو غضب. كل المواقف تمر بذات الشعور: صفر، لا سالب ولا موجب.


حملنا النعش حتى وصلنا إلى المسجد، وقفتُ خارجه أستقبل المعزّين، كان من بينهم صديقٌ له جاء باكيًا مرتجفًا، فبكيتُ على حاله، وكانت تلك الدمعة الأولى والأخيرة على الفراق. 


لا أزال أتذكر تفاصيل اليوم حتى الآن، منذ أن استقبلتُ عبر هاتفي مكالمة المستشفى في الساعة الثامنة والنصف صباحًا والتي أخبرتني خلالها بوفاة والدي، فكنتُ أول العارفين، حاملًا على عاتقي همّ التبليغ للجميع. 

مرورًا باستيقاظ والدتي ونظرتها الشاحبة في أرجاء الغرفة وسؤالها لي بترقب: «خلاص؟».


لا أزال أتذكر أن أول ما فعلتُه بعد تلقي الخبر، هو توجهي لمحراب الصلاة وأداء ركعتين طلباً للسّلوان. وأنني عرفتُ الخبر في الأساس فجرُا حينما رتل الشيخ في الركعة الثانية: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية».


لم أنسَ التفاصيل؛ الكيس الأزرق الذي كان بداخله، حَمْلي للكفن داخل دراجتي النارية، ترديدي أثناء الذهاب إلى المستشفى «ولا يعلم جنود ربكَ إلا هو» استدعاءً لهم في محنتي، صوت الشيخ محمود علي البنا وهو يرتل القرآن عبر هاتفي بنبرة حنونة.


تفاصيل؛ قراءتي في تقرير المستشفى أنه توفي في الساعة السادسة والنصف صباحًا إثر توقف عضلة القلب. حَمْلي للنعش طيلة الطريق من المسجد إلى المقابر، كنتُ بجانب رأسه وظللتُ أذكّره مرددًا: «الله نور السماوات والأرض». اللمسة الأخيرة كانت بين أطراف أصابعي وقدميه، نزولي للقبر معه، نام في الجهة اليسرى، طلوعي من القبر، صراخ والدتي، إشارتي لها بالسكوت، تعنيفها لي مرددة: «صعبان عليّ».


لم أبكِ ثانية منذ ذلك اليوم، لكنني يوميًا وقبل النوم أرى ملامحه في المنزل، أتذكر كل شيء إلا فترة مرضه؛ لم أكن أود رؤيته في الدقائق الأخيرة حتى لا تختزل ذاكرتي ذكرياتنا معًا في هذه المشاهد الأليمة. تجاوز الجميع الأمر، وصار بالنسبة لهم «الله يرحمه»، لكنني لستُ قادراً على النطق بهاتين الكلمتين مثلهم، لأنني لم أعشْ بعد مشاعر البكاء، الفقد، أو الخسارة.


أذهب بين الحين والآخر للمقابر، رغم علمي أنه ليس هناك، هو في البرزخ؛ حياة لا علم لنا بها، لكنني أذهب لأن المقابر كانت مشهد ميقاتنا الأخير. أضع طعامًا للكلاب والحمام، وأرتل القرآن وأغادر، على أمل أن أعود يومًا دون اكتئاب.


وحينما تحدث الهفوات وأشعر؛ أخاف وأخشى وأرتاب. مرّ نحو 7 أشهر حتى الآن ولم أَعِ بوفاة والدي، لا تفهم أمي سر تبلدي، تظنه صبرًا. أترقب بحذر «يوم الانفجار العظيم»، حينما أشعر.


الفقد؛ معنى يقع بين الوجود والعدم.


والوجود كان ينام في هذا السرير البحري، يجلس بجانب باب المنزل ينفس سجائره الكليوباترا، ارتباطنا بواجبات معينة؛ تطبخها الأم بشكل ما لأنه يحبها هكذا، دكانه، ملابسه المحدودة.


والعدم؟ هو تضاد الوجود.


وليلة أمس، وجدتُ صورته معلقة بجانب المرآة، ذُعرتُ من ذلك وألغيتُ وجودها؛ أعلم من وضعها هكذا. جاءت أمي لتسألني لِمَ فعلتُ هذا؟ أخبرتها أن الله خلق الموت وصاحبه بالنسيان واللهو، فلِمَ نبتكر سلوكيات تدفعنا نحو الاشتياق الدائم؟ وجهة نظر مكتئب.. لا يشتاق.


تعليقات

المشاركات الشائعة