مثل القوقعة والسلحفاة لكنني إنسان..

 



مدّونة لـ أحمد مصطفى


الثامنة والثلث مساءً، يتبقى نحو الساعتين والنصف على انتهاء العدد المقرر من ساعات العمل. لكنني لم أعد قادرًا على التواجد بالمكتب أكثر من ذلك، ولا أعرف إلى أين أتجه. ضاعت البوصلة وتشتت الذهن إلى الحد الذي أجلسني ساكنًا أقلب في أوراق مبعثرة لعلي أجد بينها عذراء لم يمسها الحبر، لأُفرِغ، دون خطوط مستقيمة، التخبط الطارق في ذهني منذ زمن.


انتقيت ورقة، اثنتين، خمسًا، والبقية ألقيت في سلة مهملات يتيمة وضعتها في زاوية باب الاستقبال، قبل الخروج إلى المصعد، الذي اصطحبني للأسفل لأستقل دراجتي النارية الساكنة أسفل العقار، صوب المقهى الواقع على بعد 20 دقيقة من مكتب العمل. وأثناء الطريق، بين الشارع والآخر، انتبه إلى ضرورة إغلاق مصباح الإشارات، الذي يشير لمن خلفي بأنني أتحرك تارة يمينًا وأخرى يسارًا، بينما أنا متجه للأمام. هذه ليست حالة تخبط تدور في ماتور الدراجة، هذا أنا.


لا أعي شيئًا في الطرقات سوى المارة، لا أكترث لما هو دون ذلك من إشارات، مطبات، إلخ. أحاول مداعبة الدوبامين بالوصول لأقصى سرعة في عداد الماتور. تصل الدراجة النارية إلى نشوتها، ولا أصل أنا سوى للمقهى، قاصدًا زاوية على ناصية الشارع، حيث يأتيني عم سيد ليستمع إلى طلبي في مشروبي الروتيني.


أتأمل حالة العم سيد، يعمل هنا منذ أن بدأت أعي ثقافة الجلوس على المقهى، يوميًا من السادسة مساءً إلى الخامسة فجرًا. لا يقدم له عمله أي إضافة سوى اتساع رقعة معرفة الزبائن به. بالتأكيد يمل العم سيد من روتين الاستماع لطلبات مرتادي المقهى ومن ثم تلبيتها. ربما أراد ولو لمرة التمرد على روتين الركض في مساحة 200 متر لتلبية طلبات يعرفها مسبقًا، حفظها عن ظهر قلب من تكرارها. لكنه مُطالب يوميًا بالسؤال حتى لا يضع نفسه تحت طاولة الاتهام بأنه أتى بمشروب يخالف الهوى، ولا يقدر العم سيد بمرتبه الزهيد أن «يحاسب عالمشاريب».


لست وحدك يا عم سيد. جميعًا نتجنب التمرد أو الخروج عن المألوف خشية التعرض للتعامل مع نتائج تفوق بصيرتنا العقلية المحدودة. ربما يفكر العم سيد أنه لو ثار على الروتين، سيُطرد من المقهى، وبالتالي سيضطر للبحث عن آخر، ومن ثم إعادة تكرار السنوات للوصول إلى مكانة تجعله رئيسًا للعمال، وبالطبع سيمل من الروتين ويثور ويُعيد الكرة دون جدوى. التفكير في حد ذاته مرهق. لا تثور يا عم سيد.


أود مناداة العم سيد بصوتٍ عالٍ من آخر المقهى، لكنني أخشى أن يأتيني مسرعًا لتلبية الطلب، لأنه حينما سيأتي سيفاجئ أنني لا أريد منه سوى أن يستمع إلى شكواي، لكن صاحب المقهى سيعنفه لترك عمله في ساعة الذروة من أجل الحكي مع أحد الزبائن ولن أرضى له ذلك. هل لدى عم سيد من الأساس حصيلة فلسفية كافية للإجابة عن تأوهتي الفكرية؟ لا يهم. من يعيشون في نفس الدائرة يفهمون حالة الدوار الذهني دون أن تشرح أو توصف. لأترك عم سيد وشأنه، لأفرغ هذه التأوهات برسمها في شكل دائرة على الورق الذي انتقيته، محددًا موقعي في وسط الدائرة بنقطة.


الدائرة؛ شكل هندسي… أعتقد أنه أقرب وصف لما يسكن بداخله الأنطوائيون. هناك للآخرين مساحة غير قابلة للتخطي، مشاعر لا تخترق، أيام لا تمسها العواصف. قد يخرج منها الشخص منجرفًا وراء فضوله لاستكشاف ما بالخارج بحذر، آنذاك يرى تضاد الأشياء. لا يستوعب أن للحياة أظافر حادة لا تفرق بين من عاث في الأرض فسادًا ومن اقتطع قطعة وحاوطها بدائرة. وقتئذ يعود إليها مرة أخرى مثل القوقعة أو السلحفاة، لكنه إنسان.


القوقعة؛ مخروط حلزوني مجوف. والسلحفاة؛ حيوان زاحف يتميّز بصَدَفة تنمو من أضلاعه وتغطي معظم جسده. لا أعرف عنهما إلا ما يشبهني في المعنى والحركة. أنا الذي يتأرجح بين ميزان العقل والعاطفة، أسبح في الكون، أتقلب بين الليل والنهار، أتدبر ما وراء افتعال اللحظة، ولا أعيش الحدث بقدر ما أنتظر نهايته.


أتذمر من هذا الكون، كيف أعيش في أماكن لا تشبهني لمجرد أن الحياة أوجدتني بها؟ لمَ أمنح الأشياء جهدًا فقط لأنها أوهمتني بأن هذا هو الدرب وما دون ذلك ضياع؟ لا يستوعب عقلي هذا العبث، ولا يقدر محاكاته أو الخروج عنه. مؤخرًا، لم أشعر بالتواجد داخل الحدث، صرت من فرط الروتين غير مؤهل للتعامل معه، أو بالأحرى غير قادر على التفاعل فيه، لأنه لم يقدم شيئًا يثير نشوة الإبهار والمفاجأة.


انسحبت من المقهى قليلًا لأداء صلاة العشاء، وبعدها توجهت إلى الإمام بمقدمة وصفية لسؤالي الفلسفي نوعًا ما لكنه لا ينم عن الإلحاد، بينما يصف شعوري بالنفور من الحياة وانعدام الشغف: «لماذا نعيش مادام هناك موت؟». يتخبط الإمام، تبحث عينيه عن الإجابة في أنحاء الغرفة، يكرر على عقلي نصوصًا حفظها من قبل. لم تشبع إجاباته السؤال، كانت فاترة وكنت باحثًا عن مناقشة منطقية أكثر من كونها حصة تاريخ دينية.


أنا الذي عزفت عن الحضرة الصوفية كونها لا تشبع روحانياتي، ولم يعد جهدي البدني يسعفني للتوجه نحو صالة الألعاب الرياضية، فقدت حافز تعلم أحكام التلاوة والقراءات العشر، لم يعد عقلي قادرًا على ترتيب الجمل لصياغتها في مقال، منشور، أو ورقة في المدونة. أفكر في الانسحاب من امتحان المقامات الصوتية ولا يهمني الرسوب بعد أشهر من الحضور، والاستقالة من العمل والهروب إلى التجارب المجهولة بعد خدعة تحقيق الذات.


هنا يتمثل مفهوم تحقيق الذات في الوظيفة، الزواج، والبيت. يشكل هذا المثلث الهيئة الاجتماعية للفرد، ومن ثم إنجاب الأطفال، ولا أفهم لماذا ينجب العاقلون في هذا الوطن أبناءً يكررون نفس مأساتهم مع الركض وراء الحياة. يحقق الإنسان عادة هذه الأشياء في زمن قريب ما بين منتصف العشرينيات والثلاثينيات. أما في هذا العصر فلا تقدر على التكهن بمدة تحقيق الذات، الذي لا شيء من وراه سوى إشباع حفنة من الرغبات.


تخيل أنك غير راغب في السير على نفس الدرب والخطوات، كما أنك لا تشتهي الأشياء لمجرد أن الوصول إليها في نظر المجتمع تحقيقًا للذات. ربما ستحتاج لتحقيقها، كونها غرائز فطرية، لكن ليس شرطًا للإملاءات الاجتماعية.


أتخيل أنني أحقق ذاتي في المناطق النائية، حيث تتنفس الطبيعة، دون الحاجة للتصنع الاجتماعي الزائف لإبهار الآخرين. يسألني عقلي لمَ تخاف الخسارة؟ أجيبه لأنها تخدعني بأن امتلاك الأشياء يحقق شعور الأمان للغد والمستقبل، حتى وإن كان هذا الامتلاك يفتت المشاعر ويجرد الفرد من إنسانيته. يناقشني بأننا هنا لاستكشاف التجربة ذاتها ومعرفة الكون والتمرد على دوائر الفترات. يدفعني السؤال من صراع المنطق إلى الخيال، وهكذا إلى ما لا نهاية.


يصف حالتي الشعورية ما كتبه الروائي وجيه غالي في يوميات 22 نوفمبر 1965 نثرًا: «عندما كنت في العشرين من عمري، كنت أتطلع إلى الثلاثين باعتبارها نهاية لشرودي العقلي والجسدي، والآن بعد أن أصبحت في الثلاثين من عمري، لم أعد أتطلع إلى شيء، لأنني أعلم أن الأمور ستستمر بهذه الطريقة». أو ما كتبه علي عكور شعراً: «حينَ سمعتُ حفيفَ الورقِ الأصفرِ. أوْحَشَني جدًّا يا ربُّ: أنْ تَصبو الأشجارُ ولا أصْبو». أنا لست استثناءً إذن، مُكرر حتى في الشرود والتيه.


في الليل، أشعر أنني طائر لديه جناحان يرفرف بهما في صقيع القاهرة، أتفقد كل جنبات العاصمة وقاطنيها، فردًا فردًا، أسرح في السماء حتى أسلك طرقًا خالية من الحدود الجغرافية. إلى أين أنا ذاهب؟ لا أتمهل في التفكير، وأتابع الحبو مُغردًا خارج السرب. وأين السرب؟ الوحيدون في المساء يعيشون دون جماعة، عشيرة، طائفة، أسرة، أو سرب. الوحيدون يُغردون حتى تُنهك حبالهم الروحية، وتقترب أوصالهم من أطراف الأرض وتتلامس، لتنتج احتكاكًا يُشعل فتيل النهايات ويحتدم الصدام. الطائر الآن يحتضر، منعدم الرغبات والأماني، وحيدًا يذرف الذكريات من رأسه ومعها العمر، الأيام، والوحدة.


أنا لا أكتب عن الهواجس والملل والرتابة وفقدان الشغف لاستفراغ الفكرة واستعطاف الشعور أو محاكاة يوميات أشباهي، ربما أبحث عن شيء خارج الإطار يُمنطق العلة من الوجود في رأسي، ويهديني إلى الصراط أو يُوقعني في الخواء.



تعليقات

المشاركات الشائعة