غرفة أبي التي خبأ فيها العزلة
نص / محمد البُرمي.
- يميل الكبار للعزلة، خاصة بعد خروجهم على المعاش...
قالت أمي في فلسفة واضحة، بينما تصنع كوب الشاي لأبي، كان ذلك رداً على سؤالي لها: «لماذا يعيش أبي في غرفة منفصلة عن بيتنا الجديد؟».
أنهى أبي بناء البيت الجديد، وعرفنا للمرة الأولى البيوت «المسلحة» مثلنا مثل باقي القرية.
كانت البيوت وقتها مقسمة إلى ثلاثة أشكال: إما بالطوب اللبن، أو الطوب الأحمر والألواح الخشبية، أو الأسمنت المسلح والطوب الأحمر.
قرر أبي بعد ضغط كبير هدم البيت وبناء آخر، لكنه وبعد أن انتهى وأصبح البيت جاهزاً للسكن، فوجئنا به يصنع غرفة من الطوب الأبيض والطين، مسقوفة بالغاب والجبس الأبيض.
- أنا هاعيش فيها وهي كده كده جزء من البيت.
كان لبيتنا الممتد والمقسم لثلاثة أقسام مدخلان بالفعل؛ أحدهما الرئيسي على الشارع الكبير مباشرة، والمدخل الثاني في الشارع الأصغر وبه سلم الصعود للدور الثاني.
كما كان البيت مقسماً من الداخل إلى «وسط الدار» و«الجنينة»؛ وهي قطعة أرض ملحقة بالبيت مزروعة بالبرتقال واليوسفي والليمون والجوافة والتين وأشجار أخرى.
في تلك المساحة الفارغة «وسط الدا»" بنى أبي غرفته، نقل فيها كل ما ورثه عن جدي وجدتي من «عفش» كي يستقر هناك، وحيداً منعزلاً دون أمي ودوننا. أُعاود السؤال على أمي:
«لكن أبي لم يتجاوز الستين، حتى إنه لم يخرج على المعاش؟». تفهمني أمي أن: «الرجال يحبون العزلة إذا توقفوا عن الحب، العزلة بديل عن الطلاق». تعاود الإجابة وهي تضحك:
«يعني سيبه ياخد نفسه بدل ما يطلقني».
بالتأكيد كان أبي يحبها حباً لم أرَ مثله، وهي كذلك. لا أنسى أنها صممت ووقفت ضد رغبة عائلتها حين أوصت أن تُدفن إلى جواره. كانت تداعبه دائماً بقولها:
«أدفن معاك».
«ورايا ورايا؟» يجيبها ضاحكًا.
- أيوه هافضل أخبط عليك بالليل لحد ما تشيل الحيطة اللي بين الرجال والستات وتنام في حضني.
تفهمه من نظرة واحدة، وأوقات لا تحتاجها؛ بمجرد أن يبدأ في الشعور بالحرج لعدم وجود حاجة ما، تحل هي الأزمة.
لم يحمل هم عيد أو مناسبة، تخرج من نفسها تحضر لنا ملابس العيد والمدارس وكل شيء،
وهو يكتفي كل شهر بوضع راتبه في يدها، وهي تقوم بكل شيء؛ هي البيت بلا أي شك.
حتى خطوته بأن يبني غرفته السرية لم تزعجها، كانت تتنقل بين البيت الجديد وغرفته دائماً. أما هو فيأتي من العمل الثالثة عصراً أو الرابعة، يدخل غرفته السرية، يغير ملابسه، يعود للبيت الكبير يتناول الغداء ويشرب الشاي، يجلس في «البلكونة» التي أحبها وصنعها بعناية فائقة كأهم جزء في البيت بالنسبة له، يروي الزرع بصبر؛ فلاح لم يعرف الحب سوى لأرضه. وللمفارقة، أبي نفسه كره الفلاحة والفلاحين، خرج وهو في العشرين من عمره من القرية، ضرب في الأرض هنا وهناك ولبث سنين، ثم عاد ليستقر من جديد في أرضه، حتى ما حصل عليه من إرث كأرض زراعية باعه، يقول:
- أنا موظف يا ولاد الكلب مش فلاح....
ذلك العداء الشديد تحول إلى حب يروي به ما زرعه بيديه: الورد البلدي، الريحان، الفل، الياسمين، وشجرة «الفيكس» الكبيرة أمام البيت التي يقص فروعها بعناية.
يصلي المغرب والعشاء، ويعود إلى غرفته. تجلس أمي إلى جواره ساعة أو ساعتين، وفي الثامنة أو التاسعة على أقصى تقدير ينام، ويستيقظ فجر اليوم التالي.
بالنسبة لأمي وإخوتي كان الأمر بسيطاً؛ رأى إخوتي في ذلك فرصة أكبر ليتمكنوا من السهر أمام التلفزيون، فهم يعرفون أنه لا تهاون مع أي تأخير عن الثانية عشرة مساءً؛ إذ يستيقظ في ذلك التوقيت يتأكد من إغلاق البيت بالأقفال بشكل جيد، يطمئن على كل شيء، ويعود إلى غرفته ليكمل نومه، لكنه لم يكن ليعترض على السهر داخل البيت.
بالنسبة لي، ظل الأمر لغزاً محيراً، حاولت طويلاً اختراق تلك العزلة مستغلاً محبته الجارفة لي، لكنني فشلت طوال تلك الفترة. ولكن على الرغم من تلك الحيرة، إلا أنها جعلتني أكتشف أشياء جديدة في أبي لم أكن أعرفها، فليس الزرع فقط المحبة الوحيدة التي تفجرت.
في صبيحة يوم جمعة، جاءت أمي لتخبر أبي أن طرداً من النحل يقف على شجرة «الفيكس» أمام البيت. رأيت السعادة على وجهه؛ طلب منها أن تُحضر «مقطفًا» وطرحتها السوداء، وأن تضع إحدى «قوالح الذرة» على النار وتأتي بها. ارتدى ملابسه وخرج للشارع، كان النحل هائجاً والجميع يخشى الاقتراب منه. وضع السلم الخشبي، لف وجهه بطرحة أمي، صعد درجات السلم ومعه علبة يصعد منها الدخان. ناولته أمي المقطف، بدأ في إثارة الدخان حول النحل، وبيده وضع بعضهم في المقطف. بعد ربع ساعة من المحاولات، نزل أبي، صعد فوق غرفته، صنع خلية نحل من الطين (كان ماهراً في استخدام الطين في البناء عموماً)، تركها كي تجف، والنحل كما هو داخل المقطف يخرج ويجيء. فسرت لي أمي ذلك: «بأن الملكة داخل المقطف، والنحل لن يغادر طالما كانت هي موجودة». بعد ساعتين، نصب أبي الخلية، ووضع النحل فيها. شهور مضت، صنع أبي خلية جديدة ووضع طرداً جديداً من النحل فيها، كأن النحل ينتظر أبي كي يأتي بكل هذه الكثافة؛ الخليتان أصبحتا ثلاثة ثم أربعة.
سنوات أبي الأخيرة كانت هادئة. جاء موعد الخروج على المعاش، عاش تلك السنوات بين ما كرهه لسنوات؛ هو الذي عاش دائماً بين الناس، يكره الوحدة والعزلة، يكره الزرع والزراعة، يكره تربية أي شيء.. الآن يرعى حديقة خاصة صنعها بعناية، يجلس إلى جوار النحل لساعات طويلة، يأكل العسل بشمعه، ويعطي أمي أطباقاً منه. ظل على ذلك الحال إلى أن مات هادئاً في غرفته. دخلت أمي عليه وقد أسلم الروح؛ رائحة الغرفة عطرة ومرتبة كأنه كان يعرف الموعد. بعد موته غادر النحل خالياه، ولم يتحمل الزرع هذا الرحيل فمات.
تحملني تلك الذكريات إلى ذلك البيت وهذه الأيام، بعد هجري لها سنوات. عدت في زيارة سريعة، أُثيرت الشجون في داخلي. جدران البيت كما هي ولا شيء تغير. غرفته كما هي، أقلب في محتوياتها؛ «درجه» السري كان فيه صورة له وهو صغير، صورة لأبيه وأمه، وصورة له مع أمي، وصورة له، وبعض الطوابع، مسبحة من الفضة، وصورتي.
احتفظت بذلك «الدرج» الذي رأيته طوال فترات قربي من أبي على أنه «سري»؛ رأيته كأنه قلبه، وجدت فيه من يحب فقط، رغم أي شيء وكل شيء. اليوم أحسده على تلك العزلة والهدوء، وأتوقف عن الأسئلة تماماً.
الآن، أنا في الثلاثينيات، وأول شيء حظي باهتمامي حين اشتريت شقتي الجديدة ذات الغرف الثلاث أن أصنع غرفة كتلك التي صنعها أبي، فتكون مكتبي ومكتبتي، مع راديو قديم ورثته منه. تسألني زوجتي بغضب:
«هل ستعتزلنا؟». أضحك ولا أجيبها.
أستغرب نفسي؛ كان أبي صبوراً بما يكفي فقد بدأ عزلته قبل عامه الستين بعامين، ونال مكافأة عامين بعد الستين. أما الآن فأنا أسعى لتلك العزلة التي لمته عليها واعتبرتها هروباً من أعباء الحياة. بلا شك كان أبي قوياً واستحق مكافأة من الحياة على صبره؛ أحببت منه العزلة والزرع والنحل، لكنني لم أتعلم منه الصبر ولن أنال مكافأة العزلة مهما خططت لها.
مجموعة قصصية: يجذب المعادن ويحب الكلاب.
.jpg)


تعليقات
إرسال تعليق